ذكرت صحيفة "لو موند" الفرنسية، اليوم الثلاثاء، أنّ 4 جمعيات تقدمت بشكوى إلى المدعي العام في باريس ضد جندي فرنسي إسرائيلي بتهمة ارتكاب أعمال تعذيب ضد الفلسطينيين.
وأوردت الصحيفة أنه تم تقديم شكوى بالتعذيب ضد جندي فرنسي إسرائيلي، في 11 نيسان/أبريل إلى المدعي العام في باريس. مشيرة إلى أنّ الرجل "حالياً في خدمة الجيش الإسرائيلي"، كما جاء في الشكوى التي قدّمها جيل ديفرز، المحامي في نقابة المحامين في ليون، نيابةً عن 4 جمعيات.
ويتهم المدّعون الجندي بارتكاب جريمة حرب من خلال "أعمال التعذيب في سياق هجومٍ عسكري للإبادة الجماعية".
وذكرت "لو موند" أنه في نهاية شهر شباط/فبراير، في مقطع فيديو مدّته 58 ثانية، صوّره الجندي وتم بثه عبر رسائل "التلغرام"، يمكننا رؤية سجين يرتدي بذلة بيضاء، معصوب العينين ومعصميه مقيدين خلف ظهره، يحاول الخروج من الشاحنة.
ويعلّق جندي "الجيش" الإسرائيلي على المشهد الذي يصوره بنفسه: "انظر، سأريك ظهره، سوف تضحك، انظر!"، (السجين الآن يدير ظهره للكاميرا) لقد عذبوه ليجعلوه يتكلم. لقد رأيت ظهره"، مع التلفظ بتعابير مشينة ومهينة للأسير.
وبحسب الشكوى، يتم نقل الأسرى إلى سجن إسرائيلي يوصف بـ"السري". "إنهم يتعرضون لهذا التعذيب المعروف على يد الجيش الإسرائيلي"، كما كتب المحامون في شكواهم، "الذي يفرض عليهم ساعات من الموسيقى المهووسة".
ويرى محامي المدعين أنّ الجندي الفرنسي "يجلب الإذلال إلى أعلى المستويات".
كذلك، جاء في الشكوى أنه اتخذ "الخيار الشرير بتصوير هذا الشاب الفلسطيني، مع العلم أنّ مجرد تصوير أسير، خاصة في هذا الوضع المحفوف بالمخاطر، هو اعتداء غير قانوني على كرامته".
وأعلن جيل دوفير، أحد محامي الجمعيات، أنّ «هذه الحادثة المعزولة تندرج في إطار أوسع من ممارسة التعذيب على يد الجنود الإسرائيليين».
ولدى تسلّمها الشكوى، ستدرس النيابة الوطنية لمكافحة الإرهاب ما إذا كانت يمكن قبولها ومدى اختصاص المحاكم الفرنسية للنظر فيها، قبل أن تقرر فتح تحقيق فيها من عدمه.
وبتاريخ لاحق أغلقت "النيابة العامة الوطنية الفرنسية لمكافحة الإرهاب" قضية الشكوى المرفوعة "ضد مجهول" للمطالبة بالتحقيق المفصّل مع جندي فرنسي إسرائيلي "دون اتخاذ أي إجراء آخر" بسبب "عدم كفاية الأدلة".
يأتي ذلك عقب تقديم حركة "30 مارس" وجمعية الفلسطينيين في فرنسا ومنظمة "عدالة وحقوق بلا حدود" شكوى إلى مكتب المدعي العام في باريس بأبريل/نيسان الماضي، تتهم فيها الجندي الذي يدعى يونيل أونونا، بارتكابه "جرائم تعذيب وهمجية" خلال عملية قام بها جيش الاحتلال في غزة.
ويرى الفريق القانوني الذي يرأسه المحامي الفرنسي جيل دوفير، أن قرار النيابة "مفاجئ" و"سياسي" لأن مقطع الفيديو الذي انتشر على منصات التواصل الاجتماعي في 19 مارس/آذار الماضي يعد دليلا كافيا لإثبات ارتكاب جريمة التعذيب من قبل الجندي المزدوج الجنسية ويستدعي فتح التحقيق.
قرار سياسي
وجاء في قرار مقتضب للنيابة ـ حصلت الجزيرة نت على نسخة منه- أنه "في نهاية فحص هذا الإجراء، تبدو الوقائع التي تم التنديد بها غير موصوفة بشكل كافٍ، والعناصر المقدمة لدعم الشكوى ليست كافية لإثبات وجود أعمال تواطؤ مادية محتملة".
وتعقيبا على ذلك، وصف المحامي دوفير القرار بأنه "أسوأ من رسم كاريكاتيري"، مضيفا "نعلم أن مكتب المدعي العام ليس مستقلا في فرنسا ويقع تحت إمرة السلطة السياسية، لذا فإن الأمر متروك لهم لتحمل المسؤولية عن مثل هذا القرار الصادم وغير العادل في سياق يُرتكب فيه التعذيب على نطاق واسع في قطاع غزة ونرى ذلك يوميا على قناة الجزيرة".
وأشار الخبير في القانون الدولي -في حديث للجزيرة نت- إلى وجود "إرادة سياسية واضحة" لحماية المعتدي الإسرائيلي وتوجه ثابت من الدبلوماسية والسلطات الفرنسية التي لم تتخذ أي موقف بشأن الإبادة الجماعية منذ أكثر من 11 شهرا، مؤكدا أن "الخاسر الأكبر هو العدالة في فرنسا".
من جانبها، أكدت المحامية لوسي سيمون من الفريق القانوني أن الشكوى كانت مبنية على أسس جيدة ومدعّمة بوثائق كثيرة تكفي لفتح التحقيق. وقالت "لا نتحدث في هذه المرحلة عن محاكمة أو إدانة، لكننا نعي جيدا الطبيعة المشتعلة والسياسية لهذا النوع من الأمور لذا نتعامل اليوم مع مسألة سياسية أكثر منها قانونية".
وتعتقد سيمون في حديثها للجزيرة نت، أن النيابة كانت تود الحصول على هوية الضحية، إلا أنه بصفتهم مركزا لمكافحة الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، تقع على عاتقهم مسؤولية البحث عن هذه الأدلة، على حد تعبيرها.
ونظرا لكفاية الدليل الذي يتضمن العبارات التي تلفظ بها الجندي وتدينه بشكل لا يدع مجالا للشك، يعتبر المحامي عبد المجيد مراري أن قرار النيابة "إهانة للقانون الفرنسي بسبب ترجيح كفة الاعتبارات السياسية على كفة العدالة".
واستنكر في حديثه للجزيرة نت "ازدواجية المعايير" لأن "النيابة لم تتعامل بنفس الطريقة مع قضية الرئيس السوري بشار الأسد على سبيل المثال، إذ اجتهدت في الملف وقبلته كاملا وفتحت التحقيق".
إستراتيجية التهرب
يُذكر أن ما يزيد عن 4 آلاف جندي يحملون الجنسيتين الفرنسية والإسرائيلية انضموا للقتال إلى جانب جيش الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي. وتعتبر الفرنسية الجنسية الأجنبية الثانية الأكثر تمثيلا في صفوف جيش الاحتلال بعد الجنسية الأميركية.